6/07/2013

محطات في ملامح الخطاب الإسلامي التجديدي

محطات في ملامح الخطاب الإسلامي التجديدي

أنس سرميني


التجديد في الدين وفي الكون والحياة، هو سنة الله القائمة في مخلوقاته، مَن حاد عنها نبذته الحياة وحيداً منعزلاً، ومن غالبها غلبته، ومن تصوَّر أن في إمكانه إيقاف حركة التاريخ عن الجريان، وأن في مُكْنَته الجمود في نقطة معينة، فهو مخطئ مسيء في حق نفسه أولاً، وفي حق معتقداته ذاتها أيضًا.

وإن هذا لأشد وضوحًا وأهمية في مجالات الدين منها في مجالات الدنيا؛ لأن عواقب الجمود في شؤون العلم الكوني والتقدم الحضاري ملموسة للعيان، لا تقبل إنكارًا أو جدالاً، فهي من بدهيات الحياة وأسسها، بخلاف الحاجة إلى التجديد في الدين، فإنها من الضروريات التي قد لا يتنبه إليها إلا الخاصة، فإنه قد تنحرف الأنظار عن أهميتها بسبب الانغماس في التقليد الفقهي، والتشرذم العقدي، والتنطع الجدلي، وقد أوضح ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - بصريح العبارة، فقال: ((إن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة مَن يجدّد لها دينها))؛ رواه أبو داود، وصححه السخاوي والألباني.

فأكد بذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - الحاجة إلى التجديد، وضمن لنا وجوده، واستمراره، وتجدر الإشارة إلى أنه يَفصِل بين التجديد الطيب في الدين، وما يحمله من تقوية الصلة بين الواقع ومستجدات الحياة ونوازلها، وأصول الدين ومبادئه، وبين التخريب والتشويه والتحريف في الدين من الداخل فاصلٌ دقيق، تميزه أمور كثيرة على رأسها الإخلاص والنية السليمة وبذل أقصى الجهد والطاقة في هذا، ثم يأتي بعدها ملامح عدة، نقف عند ما نراه مهمًّا من هذه الملامح.

أولاً: منطلق التجديد ومرتكزه يكون من أصول الإسلام وثوابته، وهدفه إحياء الأمة والسعي في نهضتها، فالتجديد ليس تبديدًا ولا تغييرًا ولا إعادةً لاختراع العجلة كما يقولون، بل هو عمل إصلاحي تراكمي متواصل، يربط الحاضر بالماضي، وينتقي من فقه السلف ما يفي بحاجات المجتمع المسلم المعاصر، ثم يضيف إليه من اجتهاداته وفكره ورؤاه ما يكمل الوفاء بالحاجات، ويجيب على الإشكاليات، على أن الانطلاقة من هذه الأصول المتفق عليها، لا تعني بالضرورة موافقة السلف في سائر الفروع التي وصلوا إليها، بل إن آثار تغير الأزمان والأعراف والعلوم والمعارف، لا بد أن تأتي بنتائج وأحكام جديدة تناسب العصر، وهو في الحقيقة منهج جميع المجتهدين والمجدِّدين؛ كالشافعي الذي نقح مذهبه كاملاً عندما انتقل من العراق إلى مصر، وكسائر تلامذة الأئمة الأربعة الذين استمروا في تنقيح مذاهبهم المعتمدة.

ثانيًا: إحياء روح الاجتهاد في الأمة ونبذ التقليد المذموم، الذي يؤدي إلى التفرقة والعصبية، وهو ملمح متصل ومكمل للأول، وكلاهما يجمعان بين طرفي معادلة مهمة، وهي القدرة على التوازن بين أمرين اثنين، هما التمسك بثوابت الأمة وأصولها، وكذلك القدرة على الاجتهاد وإنتاج الأحكام وتجديدها، ولقد أخلت بعض الفئات بهذا التوازن، فتمسَّك بعضها بأقوال السلف وجمدت على ما بين أيديها من ميراث، بما قطعها عن الواقع، وضيع آخرون الثوابت والأصول، وقطعوا صلتهم بما شيده الأئمة المخلصون، تحت مسميات الاجتهاد والقراءات العصرية، وأساس الخلل هو في اختلال الرؤية بين تقديس النص الديني الإلهي، وبين تقديس نصوص الرجال، فلا عصمة ولا قداسة في الإسلام لكلام سوى الوحيين، والصواب في ذلك هو الوسطية بالنقد العلمي الرزين.

ثالثًا: التمسك بالوسطية وبالرصانة العلمية منهجًا ثابتًا، والوسطية هي فضيلة بين مذمومين، هما الإفراط والتفريط، وهي في سياق الكلام عن التجديد تعني الاعتدال في فَهم الدين، وفي تطبيق أحكامه، وفي الارتقاء بسلوك معارجه، وأما الغلو فهو سمة الجهلاء ممن علا صوتهم وقلّ علمهم، ومن لوازم هذا المبدأ تقبل جميع المذاهب والآراء ما دامت منسجمةً مع الحجة والدليل، وتقديم العذر لمن خالف الأصح من العلماء، على قاعدة: "قولنا صحيح يحتمل الخطأ، وقول غيرنا خطأ يحتمل الصواب".

ومن لوازمه أيضًا الدعوة إلى الإسلام بتوازن بين جميع جوانبه، الروحية منها والعقلية والبدنية، الفردية والاجتماعية والدولية، الاقتصادية والمدنية والسياسية، دون تغليب لجانب على حساب آخر، وكذلك أيضًا التوسط في خطاب العامة في مواجهتهم فيما يعتقدون، بتأليف قلوبهم واللين في مخاطبتهم، بما يحفظ عليهم أمر دينهم ووحدة كلمتهم.

رابعًا: الحرص على وحدة الأمة، وتجميع كلمتها، وتوحيد مواقفها في القضايا الكبرى، واجتناب أدوات الشقاق وأسباب الخلاف والتنافر، وأهمها الهوى والعصبيات والمناصب والنفوذ، فالأصل في الدين أنه دعوى للتوحد لا للفرقة؛ لأن الدين قائم على قاعدة جلب المصالح المعتبرة للعباد ودرء المفاسد عنهم، ولا أعلى من مصلحة وحدة المسلمين ونزع بذور التفرق بينهم. والمرتكز في هذا بعد تجنب الهوى والشهوات، هو الدندنة على الأصول المتفق عليها بين الجميع، ونشر فكر التسامح والإعذار، وتقبل المخالف في الفروع والظنيات، والتنبه كثيرًا قبل التسرع في نقد المخالف، فيما إذا كان يروم من ذلك إرضاء شهوة التميز، أو يريد بذلك إحقاق الحق ونصرته، فالأولى في النصيحة أن تكون سرًّا، بخلاف النصيحة الجهرية والانتقاد العلني الذي قد يصل بالمخالف إلى النفور ثم التشدد في المخالفة.

خامسًا: إثبات مناسبة الدين الإسلامي لجميع الأزمنة والأمكنة، ولجميع توجهات وأفكار الناس، فإنه بالأدوات السابقة يقدم الحلول لجميع الإشكالات والنوازل الطارئة، ويلبي مصالح الناس العامة، ويتبنى من نتاج الحضارات الإنسانية الحديثة كل ما يصب في خدمة مشروعه ونشر دعوته، وهنا لا بد من الدعوة إلى التركيز في المسائل الحديثة والحساسة؛ كالقوانين المدنية وأحكام الشريعة، ومنزلة المرأة وحقوقها وواجباتها في الإسلام، ومعالم المجتمع المسلم المنشود، وغيرها من المسائل المهمة.

أخيرًا:
فإن هذا أهم ما يتوارد على الفكر والخاطر، مما رأيت فيه هدفًا مهمًّا لا بد أن يكون حاضرًا عند بناء أي خطاب إسلامي تجديدي، وباب التوسع في ذلك مفتوح ومطلوب.

رابط الموضوع في ألوكة : http://www.alukah.net/Sharia/0/55691/#ixzz2VYBrREou

5/23/2013

قراءة في بنية الخطاب التكفيري المعاصر


قراءة في بنية الخطاب التكفيري المعاصر

محمد أنس سرميني


  
    تعود ظاهرة التكفير أو الإقصاء من الملة إلى نشأة الجماعة الدينية والاجتماعية، وهي قديمة قدم الأديان والأعراف، لم يخل منها أي مجتمع، ومنها المسلم، إذ ظهرت بوادرها في صدر الإسلام وفي الخلافة الأولى، بتكفير الخليفتين عثمان وعلي، بعد ما يقرب من ربع قرن عن انتقال النبي عليه الصلاة والسلام إلى الرفيق الأعلى، ثم توسع الأمر بتوسع الدولة الإسلامية، وظهرت من الفرق من قصرت الايمان في العهد النبوي على خمسة أفراد، زد على ذلك أو أنقص منه قليلاً!

    ولا مراء في عدَّ مفهوم التكفير نوعاً من أنواع الدفاع السلبي الذي يلجأ إليه من يريد أن يصادر فكر خصمه ويتهرب من مجابهة الحقائق والبراهين بمثلها، فيضيق ذرعاً بها، ولا يجد ملاذاً في مواجهتها سوى التخوين والتكفير، فالخوارج لم يقولوا بكفر علي أو عثمان إلا بعد أن قامت عليهم الحجة بالدليل العقلي والنقلي، وهذا يؤكد أن بنية التفكير التكفيري بُنية مهلهلةٌ ضعيفة من ناحية، وانهزامية من ناحية أخرى.

    ولا يعنينا في هذا المقال العرض التاريخي كثيراً، إلا ما يشرح نشأة مفهوم التكفير، لأن الحقبة المقصودة بالتحليل هنا، إنما هي النصف الثاني من القرن الماضي، والتي عَلَت فيها أصوات التكفيريين، وارتبط سياقها التاريخي بالثلاثية الآتية: القُطبيَّة، فالجماعات الجهادية، ثم القاعدة، فالقطبية نسبة إلى سيد قطب الذي رأى أن العالم الإسلامي يعيش الجهالة الأولى، ودعا إلى عودته إلى دينه من جديد، علماً أنه بذلك لم يصرِّح بكفر الأنظمة أو الأمة، خلافاً لمن نسب ذلك تخرُّصاً إليه، فالجهل والجهالة قد تقترن مع الإيمان والشهادتين، إلا أنَّ كلامه في جاهلية الشعوب المُسلمة أوجد الأساس الفكري للجماعات التكفيرية لكي تنتقل خطوة أبعد بالقول بتفكير الجميع، ثم تأتي المرحلة الثالثة والخطيرة وتستحل دماء الناس وأموالهم جميعاً لكفرهم. ومن جهةٍ أخرى فإنَّ هذا التَّيار إنَّما نشأ في ظل أنظمة استبداديَّة متغوِّلة، قابلت جميع التيارات المعارضة بالإقصاء ومارست بحقها أنوعاً شتى من المضايقات والملاحقات والاضطهاد، فكان أن قابل الفعل رد فعله، وقابل الإقصاء والتخوين إقصاء آخر يكافئه بالقوة ويعاكسه بالاتجاه.

    وباعتبار أنَّ التكفيرَ فلسفة سلبية انهزامية، تقترن بضعفٍ في المنظومة الفكرية، وخشيةٍ من المواجهة العقلانية المتزنة، فإن لجوء بعض التيارات الإسلامية إليه قد يحدث استغراباً في ذهن القارئ، ويوجد تساؤلاً لديه: لم لجأت تلك التيارات إلى تكفير الأمة بقضها وقضيضها، في محاولاتها تسويغ مقاومة هذا الظلم الواقع عليها، رغم أن هذا الأمر مسوَّغ في جميع الأديان والأعراف والقوانين، بل هو واجب في الحقيقة وليس مجرد حق، وأين يكمن الخلل في بنية هذا الخطاب التكفيري؟

    إن الإجابة عن هذا التساؤل تستدعي الإشارة إلى مقاربة الفكر السُّني لقضية الإمامة والحُكم، والتي نُسبت إلى مبدأ طاعة ولي الأمر أعادلاً كان أم ظالماً، وتم السكوت عن الحكم بالغلبة، وتجنّب معارضة كثير من الأخطاء خشية الفتنة والمفاسد الأعظم، على أنَّ درأها مقدمٌ على جلب المصلحة، ومرجعهم في هذا، أحاديث شريفة انتُقيت من غير تدقيق، وانتُزعت من غير سياقها، أشهرها حديث البخاري ومسلم وفيه: “وأن لا ننازع الأمرَ أهله… إلا أن تروا كُفراً بَواحاً”، وحديث مسلم: “تَسْمَعُ وَتُطِيعُ لِلْأَمِيرِ وَإِنْ ضُرِبَ ظَهْرُكَ وَأُخِذَ مَالُكَ”. ومن الواضح أن السُّياق الذي عُرضت فيه، والفهم السطحي الذي أبرزت فيه للعامة، قد فُهم منه وجوب طاعة الأمير وإن ظلم الأمة وسرق خيراتها، ما دام مسلماً ينطق بالشهادتين، وما سوى ذلك من الظلم فإنه من المعاصي التي سيحاسب عليها أمام الله وحده، وليس أمام الأمة، ولا شكَّ أن هذا الفهم قد أوجد تناقضاً فكرياً، وعوراً أخلاقياً وخللاً سلوكياً بيِّناً، لأنَّه اعتُمد مبرراً للطغيان، وأداةً من أدوات القهر الديني والسياسي والاجتماعي.

    والفطرة البشرية تنأى بنفسها عن هذا الموقف، لأنه مخالف للطبيعة ولجذوة الكرامة في الإنسان الحي، وكانت نقطة الفصل بين الجماعات الإسلامية وبين هذا الموروث الفكري، عندما تجرعوا من كأس الظلم والقهر، ولم يكن بين يديهم من أرضية فكرية يلتجؤون إليها لدفع هذا الظلم سوى تلك الأحاديث التي لا تبيح الخروج على مسلم، فكان “المَخرَج” بالنسبة إليهم إعلان كفر الحاكم، ثم تكفير أجهزة الدولة وجميع العاملين فيها، ومن بعد تكفير جميع الشعوب التي رضيت بتلك الحال، وبذلك يكتسبون الشرعية الدينية بحسب الفهم السابق لمقاومة الدولة وأركانها، وبعبارة أخرى، إنهم لمَّا أرادوا أن يتخلصوا من أزمة القهر والاستبداد، وقعوا في كارثة التكفير والتخوين، فكانوا كمن يغرق في الأوحال، كلما ازدادت حركته ازداد غرقه، وتباعد بينه وبين حبل النجاة.

    وهذا يشير من جهة أخرى إلى الأثر الكبير الذي نجم عن سوء تطبيق وفهم لمجموعة قليلة من الأحاديث لم تؤول ولم يُصرف ظاهرها إلى ما يوافق سائر القواعد العامة والآيات القرآنية والأحاديث الشريفة، كوجوب رفع الظلم ووجوب نصرة المظلوم بالوقوف إلى جانبه، “ونصرة الظالم” بالأخذ على يديه، وأنَّ خير الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قُتل لأنه قال كلمة حق عند سلطان جائر، وأيضاً وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي يصحُّ توظيفه اليوم في مؤسسات الإعلام والصحافة ومتابعة الفساد والفاسدين.

    ومن باب الإشارة السريعة أكتفي في هذا المقال بذكر بعضٍ من التوجيهات المناسبة للأحاديث السابقة بما يتفق مع النظرة الكلية للمقاصد الشريعة، عسى أن أتوسع فيها في مقال لاحق، وهي أن مفهوم طاعة ولي الأمر إنما يكافئ مبدأ احترام القانون، واحترام رأي الأغلبية في التشريعات القائمة على المصلحة. وأن قوله “إن جلد ظهرك وأخذ مالك” أي بالحق لا بالباطل، وبالقصاص وإرجاع الحقوق إلى أهلها لا ظلماً وعدواناً. وأما قوله “كفراً بواحاً”، فهي لفظة تفرَّد بها بعض رواة الأحاديث عن سائرهم ممن أسقطها أو رواها بلفظ “المعصية والظلم”، بما يشير الى احتمال روايتها بالمعنى، وبما يرجِّح توجيها الى معنى الظلم الحقوقي البواح والفساد الإداري البيّن، والقاعدة إن الأصلح بين الأمراء مقدم على الأتقى بينهم، لأن تُقاه لنفسه، وصلاحه للناس، كما ذكر عمر بن الخطاب.

    وأخيراً، لابد من محاربة هذه الظاهرة ووأدها بمهدها، وهذا لا يكون إلا بتجفيف منابع هذا الفكر من أساسه، والقادرون على ذلك هم فئتان، الأولى: علماء الدين ممن يتصدرون للفتوى ويسمع العامة لهم، أن يكونوا على قدر المسؤولية، ويتأنوا كثيراً في إطلاق الأحكام، ويتوقفوا طويلاً عند مآلات الأمور وعواقبها، والثانية هم الأمراء الذين بيدهم أمر العباد فليتقوا الله فيهم، ولا يوجدوا البيئة الحاضنة لأمثال هذا التطرف الفكري بالظلم والجور، وبعبارة أخرى لا بد لإغلاق ملف التكفير من إغلاق منافذ الظلم والقهر في المجتمع، يرافقه إعادة قراءة في الموروث الفكري السياسي الديني، وإعادته إلى السياق المناسب، وإلى الصراط المستقيم.

5/22/2013

منهج المؤلفين في الاقتباس والنقل


منهج المؤلفين في الاقتباس والنقل

محمد أنس سرميني



تميَّز الميراث الفكري الإسلامي على مرِّ العصور والدُّهور بخصيصة التَّراكميَّة والهرَمية، وبمزيَّة بناء الأجيال الجديدة على ما تركتْه الأجيال السَّابقة، فلم يحصل أن انقطعت سلسلةُ العلم والتأليف في عصر من العصور، ومهما قلَّ الإبداع والإنتاج الأصيل في فترة ما، فإن هذه الصِّلة بين العلماء والتَّواليف لم تتأثر ولم تنقطع.



ومن هنا برزت أهمية النُّقول في مؤلفات الفقه وأصول الدين، وقلَّما يخلو كتابٌ من اعتماد على من سبقه، ونُقول عن سلفه، ويتفاوت مقدارها وحجمها بحسب الرؤية العامَّة لعلماء ذلك العصر، وهي تزداد في الكمِّ مع تأخر عصور العلماء وتباعدها عن العصور الأولى.



ولعلَّها بلغت حدًّا غير مقبولٍ حينما مُلئت كتب بعض المتأخرين باقتباسات كثيرة، فاقت بحجمها ما كتبه الكاتب بقلمه، وعلى أي حال فإن الذي يعنينا في هذا الموضع هو دراسة مناهج المؤلفين في هذه النُّقول، ومعرفة أسباب لجؤوا إليها، ومراميهم من الاعتماد عليها.



لا شك أنَّ أول ما يتداعى إلى الذهن بخصوص منهج الاقتباس والنقل العلمي هو الأمانة في النقل، بحيث يكون الناقل موضوعيًّا وصادقًا في نقله، لا يحرِّف شيئًا من الكلمات، ولا يتزيَّد عليها من عنديَّاته، ولا ينقص منها شيئًا، خصوصًا فيما إذا كان النقل بالمعنى وليس حرفيًّا؛ إذ الأفهام تتفاوت، والأفكار تتباين، فالدقة والحصافة والتأني أمورٌ مطلوبة جدًّا، وهذا ما عُرف عن أسلافنا من المؤلفين، فأما غاياتهم ومنهجهم من الاقتباسات والنُّقول العلمية.



فمنها ما يأتي:

أولًا: إثراء مضمون الكتاب، والاستشهادُ على أفكاره وتأييدها بنصوص عن كبار العلماء، وهو الغرض الأساسي لكل نقل، وهي الطَّريقة التي سار عليها العلماء سلفُهم وخلفُهم، وكلَّما حسُن اختيار النقل، بحيث كان صريحًا دقيقًا في تأييد الفكرة المذكورة، وكُلما كان طريفًا يأتي ما غاب في رفوف المكتبات ولم يعْتَده المؤلِّفون والكتبةُ، كان متميزًا مستحسَنًا.



ثانيًا: نصرةُ أقوال المؤلِّف، وربطُ منهجه في التأليف بمناهج الأئمة المتَّفق على جودتهم، وفي هذا تأثرٌ بالرأي الذي يرفع كلام الأوائل لمجرد تقدمهم ويغضي عن كلام المعاصر، فكان لزامًا على كل متأخر أن يجعل كلامه متَّصلاً بمن سلفه؛ ليكون شاهدًا على سلوكه جادَّةَ الجماعة، وعدم خروجه وشذوذه عنها.



ثالثًا: إبرازُ نصوص مهمَّة لأئمة ومؤلِّفين ضاعت كتبهم وفُقدت مخطوطاتها، أو أنها لا زالت مخطوطةً حبيسةَ رفوف المكتبات، ولم تُطبع بعدُ، وكثُر هذا الأمر في العصور المتأخرة، والتي قد يظفر فيها أحد العلماء بواحدة من نفائس المخطوطات، فيضمِّنها كتبه ومؤلفاته، وتميَّز بذلك المكثرون بالرَّحلات العلمية ممن جابوا الأصقاعَ وجمعوا النوادر، ولربَّما ضاعت تلك المخطوطات، وبقي كثير منها مضمنًا في تلك الكتب.



رابعًا: إلزامُ الأتباع بأقوال أئمتهم: خصوصًا في المواطن التي خالف فيها المتأخرون ما كان عليه أسلافُهم، فأقوال أئمة الفقه والزُّهدِ الأوائل تختلف كثيرًا عمَّا آلت إليه الأمور عند المتأخرين، بإغلاق باب الاجتهاد، والانجرار وراء ضلالات الباطنيَّة، وفيه أيضًا الوقوف أمام تحميل الأئمة من السلف مواقفَ لا تحتملها أقوالهم.



وأخيرًا، فإنه يصح أن يزيد أحدهم على هذه النقاط الأربع، وإنما كان جهدي في اختيار طريفها ومُهمِّها، مما قد لا يخطر على الذهن بالبداهة، ومما تفاوت المؤلفون في مدى استيعابه وتحقيقه في نقولهم.

2/27/2013

لغة الدردشة ظاهرة تستحق التوعية

لغة الدردشة

ظاهرة تستحق التوعية

محمد أنس سرميني


يُقصَد بلغة الدردشة - وسمِّيت لغةً تجوُّزًا -: اللغة التي انتشرت انتشار النار في الهشيم بين الشبان العرب، والتي صارت لغتهم التي يَستخدِمونها في برامج التواصل الاجتماعي والدردشة في الشابكة، وهي ظاهرة حديثة، تعدُّ امتدادًا لدعوة كتابة العربية بالعامية المختلطة بالأجنبية وبالأحرف اللاتينية، ومن أسمائها "لغة الإنترنت" أو "لغة الشات" أو "الفرانكو أراب"، وهي لغة هجينَة مُكوَّنة مِن كلمات عربية عامية، وأخرى إنكليزية، مكتوبة بأحرف إنكليزية وأرقامٍ تعبر عن أصوات عربية لا وجود لها في الإنكليزية.

عرَّفتها موسوعة "ويكيبيديا" بأنها أبجدية مُستحدَثة غير رسمية، ظهرت منذ بضع سنوات، أصبحت تُستخدم على نطاق واسع بين الشبان في الكتابة عبر برامج الدردشة على الإنترنت في المنطقة العربية، وتُنطق هذه اللغة مثل العربية تمامًا، إلا أن الأحرف المستخدمة في الكتابة هي الأحرف والأرقام اللاتينية بطريقة تُشبه الشَّفرة.

والرموز المقصودة من الأرقام هي الأحرف الآتية: (2:أ)، (3:ع)، (5:خ)، (6:ط)، (7:ح)، (8:غ)[1].

وتشير الإحصائيات إلى أن هذه اللغة قد أفرزت إلى الآن مئات المدونات الشخصية والنصوص الأدبية والنثرية المكتوبة بها[2]، ويُسوِّغ الشبان اعتمادَهم على هذه اللغة بأنها أصبحت شائعةً ومستعملةً في صفحات الشابكة ومفهومةً من القراء، وأن كثيرًا من أنظمة تشغيل الحواسب ومتصفَّحات الشبكة لا تدعم استعمال اللغة العربية؛ لأسباب تقنيَّة أو جغرافية، وهذا يعود بمسؤولية التعريب إلى الشركات التقنية العربية ومهندسي الحواسيب والمعلوماتية.

وحقيقة الأمر أن المشكلة مرتبطة بأمرَين أكثر عمقًا، هما كون اللغة الإنكليزية اليوم هي اللغة الأولى في مواقع الشبكة العنكبوتية وبرامج الحاسب، وأنها لغة العلم والثقافة، فهذا قضى بأن يكون استعمال الشبان الحرف اللاتيني أكثر مِن استعمالهم الحرف العربي، وهي مرتبطة أيضًا بأزمة الهُوية العربية والإسلامية عند الشبان، وبحجَّة التقارب بين الحضارات الغربية والشرقية والعربية، لاسيما أن أول ظهورها في البلاد العربية كان بين طلاب المدارس الأجنبية الذين لا يُتقنون الإنكليزية ولا العربية، فوجدوا فيها بديلاً عن الإنكليزية التي لم يتمكَّنوا من إتقان قواعدها وأساليبها، فاستكانوا إلى أَحرُفِها فحسب، والمؤسف أن هذه اللغة الهجينة هي أسهل عند بعض الطلاب العرب مِن العربية؛ إذ وجدتُ - مِن خلال تجربتي مع الطلاب - مَن يكتب دروسه وملاحظاته، ويقدِّم امتحاناته بهذه اللغة، وكلُّه على حساب لغتهم الأصلية، وهي اللغة العربية.

ولا تعدو هذه اللغة كونها "تقليعةً شبابيةً"، استغلَّتْها بعض وسائل الإعلام الداعمة للعاميات والتغريب، ووظَّفت لها أهدافًا تجاريةً أيضًا؛ من خلال إعادة نشر أعمال أدبية عربية بهذه اللغة دون احترام لحُقوق كاتبيها، ولن تستمر هذه اللغة؛ لأنها ولدت تَحمل معها بذور انكماشها؛ فقد انتشرت بلا قواعد تَضبِطها، وارتبطت إلى حدٍّ كبير بالطبَقة المُترَفة في المجتمعات العربية، خلافًا للطبقات الأخرى التي تمثِّل أغلبية المجتمع العربي، وقد قامت حملات توعية في الشابكة ضدَّ هذه المُسَخ؛ منها: "اكتب عربي"، "كفاية فرانكو.. اكتب عربي"، "استرجل واكتب عربي"، فالرجولة في هذا السياق تعني: التمسُّك بالهوية[3].

ولم تنل هذه الظاهرة حقَّها من الدراسة إلا في بعض المقالات العامة، ولم تُفرَد لعلاجها بحوثٌ علمية جادة، وزاد الأمر سوءًا أن انتقلت هذه الظاهرة إلى الإعلام المرئي، فصارت بعض البرامج الترفيهيَّة والدينية ذات الجمهور الشبابي تخطُّ عناوينها وأسماء القائمين عليها بهذه الأحرف[4]، وهذا مؤشر سيئ جدًّا؛ لأنه يرسخ هذه الظاهرة بين الشبان، ويَنقلها من الإعلام الإلكتروني إلى الإعلام المرئي ذي الجمهور الأوسع، ولأنه يَشي بعدم تنبُّه الإعلاميِّين إلى خطورة انتشار هذه الظاهرة وشيوعها بين الشبان، وما تَحمله مِن معاوِل لهدم العربية وأَحرُفها وفصاحتها.

ويحزُّ في النفس أن تطَّلع على مدوَّنات الشبان وصفحاتهم في مواقع التواصل الاجتماعي، فتراها مكتوبة بأحرف لاتينية، وأرجو أن يتنبَّه الإعلاميُّون واللُّغويُّون إلى هذه الظاهرة، ويُسارعوا في وأدِها في مهدها، قبل أن تستفحل وتتعمَّق أكثر مما هي عليه الآن، وأتوجه إلى مُدرِّسي اللغة العربية وغيرها من المواد في المدارس الإعدادية والثانوية، أن يَنشروا الوعي اللغوي، ويُنبِّهوا طلابهم إلى آثار هذه الظاهرة السلبية؛ فمسؤولية رجال اللغة والإعلام لم تَختلِف عما كانت عليه سابقًا، وإنما تجدَّدت أشكالها؛ فالحرب على الفصحى لم يتغيَّر جَوهرُها وأهدافها؛ وإنما الذي تغيَّر هو أسلوبها ووسائلها.


[1] انظر: ويكيبيديا، عربي، مصطلح: عربيزي.
[2] انظر: مقال إبراهيم فرغلي، مجلة العربي الكويتية، مقال: هل تمحو 3raby لغة الضاد؟ انظر: عدد نوفمبر:2010م، ومقال: نهى قاطرجي، لغة الشات.
[3] عدد المشتركين في هذه الصفحات في موقع (فيسبوك: Facebook) الاجتماعي، (اكتب عربي: 242)، (استرجل واكتب عربي: 1383)، (كفاية فرانكو.. اكتب عربي: 1536)، وهو عدد متوسِّط ليس بالقليل ولا بالكثير.
[4] مِن أهمِّها برنامج الدكتور عمرو خالد المُسمَّى "بكرة أحلى"، الذي يُعرَض على القناة المصرية الرسمية؛ فإنَّهم أضافوا أسفل الاسم العربي للبرنامج، اسمَه بأحرُف لغة الدردشة، فكتبوا: "bokra a7la"!!


Twitter: @anassarmini

2/26/2013

الفن والحياة.. جدلية تجدد مع رحيل "ياسينو"


الفن والحياة.. جدلية تجدد مع رحيل "ياسينو"

محمد أنَس سَرميني


ثمَّة رؤيتان تحكمان علاقة الفن بواقعه، وعلاقة الفنان بمحيطه، وهما بشكل مباشر: الفن مرآة الواقع يعكس آماله وآلامه وأمراضه وصحته، وينقل صورة صادقة صحيحة عنه، ليعيد إلى الأذهان والأسماع أصواتاً قد همّشها المجتمع أو غفل عنها، وأما الرؤية الثانية، فهي لا تكتفي بأن يكون الفن مجرد ناقل صادق، بل أن يضيف على ذلك النقل الوعي والرؤية الناضجة والتي تسهم في تشكل رأي عام مشترك لدى جماهيره، توظف في خدمة أهداف المجتمع وغاياته.

السوريون والعرب عرفوا ياسينو بأمرين تميّز بهم عن سائر جوقته الفنية التي ذاع صيتها في العقود الأخيرة من القرن الماضي، تميّز بأنه كان الوحيد الذي عرف في أدواره باسمه الحقيقي الذي ولد فيه، وهو ياسين بقوش، والثاني أنه حصر أدواره بذلك الشخص الطيب الضعيف، الذي يقع تحت براثن أبو عنتر مفتول العضلات الذي يمثل القوة، وغوار الماكر الذي يمثل الذكاء، وهما الصفتان التي افتقدهما ياسينو، ليعبّر عن فئة معيّنة من المجتمع الشامي القديم. فأكسبه هذا شفافية وصدق في التجسيد والتمثيل، لابد أن انعكست على حياته الذاتية، ليبقى ذلك الشخص الصادق والراضي بالصف الثانوي.

التقيته مرة في دمشق فترة الدراسة، في أغرب مكان قد تلتقي فيه بفنان محبوب، التقيته في "أوتوبيس: عسالي-ابن النفيس"، وقد تزاحم الناس على باب الأوتوبيس، ولكنهم أفسحوا له مجالاً للصعود، احتراماً لسنه ولما كان يحمله من احتياجات منزلية شخصية، لم يدرك الرُّكاب شخصية من صعد إليهم، إلا من خلال نبرة صوته المميزة وهو يناول أحدهم أجرة الركوب، التفتوا جمعياً إليه، وتسابقوا في من سيدفع المبلغ، إلا أن السائق التفت وسلّم وأهَّل ورحّب، ورفض أن يستلم فلسفاً واحداً، واستمر الجدل إلى أن حسمه ياسينو بأيمانه مغلظة على السائق أن يقبل المبلغ، وإلا نزل من الأوتوبيس، فأخذه واستكان. ارتسمت على فمي ابتسامة خفيفة، وأنا أتصور الموقف وكأني في "صح النوم"، وتوجّست خيفة من "مقلب" أو "علقة" ساخنة تنتظر جميع الركاب من غوار أو أبو عنتر.

هكذا كانت حياته وعمله وبساطته، وكذلك كانت نهايته، تعاطف معها الكثيرون من السوريين البسطاء الذين ضاعت دماؤهم هدراً كدمه، ولكن ما هي الرسالة التي حملتها وفاته، وما هي الأبعاد التي تحملها؟، إنها بالعود على ما بدأنا به وهي علاقة الفن بالحياة، ومدى التشابك ما بين طرفي المعادلة هذه، فالفنان الشعبي إنما يبني قاعدته الجماهيرية وشهرته بين الأوساط، على أساسٍ من موهبته وقدرته على الإبهار أو الإضحاك أو التعبير عن دواخل الناس وضمائرهم، وأما عن رسالته التي يقدمها في فنه، فلعلَّه يسهم في صياغتها الكثيرون، بدءا من الكاتب إلى السيناريست إلى المخرج فالمنتج، وانتهاء بالحراك الثقافي والوعي الجماهيري والثقافة الشعبية، ومن الظلم تحميل هؤلاء الأشخاص ما لم يدّعوه لأنفسهم من تعميق الوعي بين الشبان أو ترسيخ القيم أو تعديلها وغير ذلك، وإن كان لهم أثر في ذلك، ولكنه اختصاص القادة والمثقفين ورجال الفكر والسياسة والاقتصاد.

وفي معظم البلدان التي لم تتح فيها حرية التعبير ولم تحترم فيها استقلالية الفنون بشكلها التام، يكون فيها الفن ليس أكثر من أداة ترويجية لمواقف سياسية أو اقتصادية أو أخلاقية، تقع في منظومة تبتلعه وأشباهه. ولهذا فإن المسؤولية أكبر من أن يتحملها الفنان وحده، خصوصاً أنه لم يدع ذلك لنفسه إطلاقاً، ولهذا على جمهور هذا الفنان أو ذاك أن يقدروا أن مواقفه في غير مجال عمله واختصاصه، هي كمواقف سائر المواطنين التي تحتمل الخطأ والصواب، ويطرأ عليها الإذعان للترهيب أو الترغيب، وأن فيهم العصامي والوصولي وغير ذلك. ولهذا فإن معيار تقييم الفنان حقيقة هو موهبته بالدرجة الأولى، ثم تخيُّره للرسائل الفنية التي يريد إيصالها للناس ثانياً، ثم يأتي أخيراً مواقفه الشخصية والتي يتضاءل أثرها الشعبي خصوصاً في مجتمعات قد قررت اليقظة بعد عهود السبات.

Twitter: @anassarmini

2/13/2013

صنمية الأفكار: على هامش خلع رأس المعري


صنمية الأفكار: على هامش خلع رأس المعري 

محمد أنس سرميني

اصطدم رأس تمثال المعري على أرض المعرة محدثاً صدمةً جديدةً في بلاد تكاثرت فيها الهموم والآلام، ومسبباً انقساماً وأخذاً ورداً بين صفوف السوريين على ما هم عليه من واقع صعب، فاختلفت الآراء والتحليلات والتشخيص فيمن قام بكسره، ومن هي الجهة المعنية بذلك، وما الدوافع وراءها، وتعددت الاتهامات، وقابلها تبرئة طرف أمام طرف، وإلى ما سوى ذلك مما هو معتاد ومتوقع في مثل هذه الظروف القاسية، إلى أن قال أحدهم: إن المعري لا يختزل في تمثال مادي أو مجسم صخري، فهو باقٍ في فكره وفلسفته، وفي شعره وحكمته، وفي لزومياته وغفرانه، في إلحاده وإيمانه، وليس بالحجارة والتماثيل والنحت والتصوير. ولقد أصاب في هذا فالأيام تُخَلِّد الأفكار، ولكن القول فتح الآفاق إلى موضوع متصل، ألا وهو اهتمام جميع الأمم والحضارات بتخليد عظمائها وشخصياتها التاريخية المعتبرة على أنها عنصر مهم جداً في صناعة الهوية الحضارية والثقافية للأمم، وتعميق شعور أبنائها بالانتماء إليها وإلى تاريخها. 

وتمايز الأمم في أشكال ذلك التخليد، بين عدة دوائر، منها دائرة الاحترام البالغ الذي يعلي من شأن تلك الشخصيات مع إبقائها تحت مجهر النقد والبحث العلمي، وتقابلها دائرة القداسة التي تجعل من الشخصيات التاريخية فوق الدراسة والنقد والمحاسبة العلمية، ومنها دائرة تخليد الأفكار بجعلها ثقافة شعبوية وتعميمها بين الأجيال الناشئة، وتقابلها دائرة التخليد المادي لها بنصب التماثيل والصور في الميادين والساحات والجامعات وغيرها.

ولم يخل مجتمع من المجتمعات البشرية من حضور هذه الدوائر، ولكن بصور متفاوتة، فعلى سبيل المثال إن التصاوير والمجسَّمات قد وجدت في المجتمعات الإغريقية والرومانية والهندية والصينية، وكذلك في المجتمع العربي قبل الإسلام، ويقال إن عمرو بن لحي هو من استقدمها من الروم في الشام، فكانت النتيجة أن بُني حول الكعبة المشرفة ثلاثمئة صنماً وتمثالاً لرجال صالحين أردوا تخليد ذكراهم وتعميق الانتماء إليهم في أقدس بقعة عند العرب، ثم أثر الجهل والأيام في تحول هذا الاحترام إلى دائرة التقديس، ومن ثم العبادة والإشراك. وكان أثر الإسلام واضحاً في تحويل المجتمع العربي والثقافة العربية المسلمة عن التقديس المادي إلى دائرة الاحترام الفكري والمعنوي والعلمي، وبذلك حفظ الحضارة العربية الإسلامية من هذه المطبّات، وأبقى التعامل مع الأفكار والرؤى والمواقف، على قاعدة الاحترام: "كلٌ يؤخذ منه ويرد عليه إلا صاحب هذا القبر محمد عليه الصلاة والسلام". 

ولكن يبدو أن المجتمعات تميل عموماً إلى رفع عظمائها إلى ما فوق المستوى البشري الطبيعي، فكان أن تحوَّل هذا الجو المشحون بالحرية الفكرية والتثاقف والتحاور والاحترام إلى نوع من تقديس القائل وتقديس المقولة، والتسليم المطلق بصحتها، لا لصحتها الموضوعية، وإنما لذاتيَّة من أطلقها، وترتيبه في العصور التاريخية، وبذلك دخلت الحضارة العربية الإسلامية في طور تقديس الأفكار، فكان من آثار هذه النقلة أن عاشت أجيال متتابعة على فُتات موائد من سبقهم، وعلى هامش أفكارهم وتصوُّراتهم للكون والحياة، وغاب الاجتهاد والتجديد والإبداع. ومن يفتح كتاب رضا كحالة "معجم المؤلفين" لعلَّه يفاجأ بأن بعض الكتب في العصور الإسلامية الأولى، كانت مداراً لعشرات بل مئات الشروح والاختصارات والحواشي، بما أكسب متونها القداسة التي نتحدث عنها، وبما أثقلها وأخرجها عن سياقها، بل وأخرجها عن غايات ومراد مؤلفيها، وإن نظرة سريعة في رفوف معارض الكتب العربية اليوم، تظهر أن كتب الأوائل هي المتداولة والمطلوبة وهي الأكثر مبيعاً والأكثر طباعة مما سواها من إنتاج علماء ومفكري عصرنا، وهذا يعني بوضوح أننا وإن تخلصنا من عبء القداسة المادية للأشخاص، ولكننا وقعنا أسرى قداسة أفكارهم وآرائهم وآثارهم، وهو خلل لعلَّه يزيد سوءاً عن خلل الأول.

أما في الحالة الغربية فإنهم سلكوا في تمجيد عظماءهم وشخصياتهم التاريخية أسلوباً آخر، واختاروا دائرة التقديس المادِّي الذي يتمثل بالفنون والنحت والتماثيل، وجعلوه فناً قائماً برأسه من المجسمات الصخرية والشمعية، والرسومات على اللوحات والجدران والأسقفة، مما أبقى تلك القامات حاضرةً في عيون ناشئتهم، ورسم لهم القدوات وربطها في مخيلاتهم وتصوراتهم، بما دعم ذلك الشعور بالانتماء الوطني والحضاري. أمَّا من الناحية الفكرية والمعنوية، فبقيت في دائرة الاحترام الخاضعة للبحث والنقد بل والنقض العلمي، دون أن يغُضَّ ذلك من مكانة أحد، وبما حفظ مبدأ تراكمية العلوم وهرميتها، وترك باب البحث والعلم مفتوحاً متاحاً للجميع، ولم يجعلوا من أفكار سلفهم وفلسفاتهم ثقافةً شعبيةً منتشرة بين العامة، بل احتفظوا بها في متاحف التاريخ وفي مراكز الأبحاث المختصة فقط. وهذا ما جعل الحالة العامة والثقافة الرائجة هي ثقافة العصر والمعاصرين، فإنك لن تجد في الغرب مجموعات من الشباب تمضي الأوقات الطويلة في الاجتماع لقراءة كتب تاريخية، قد كُتبت بلغة وبأسلوب لا يمت إلى واقعهم، وتعالج مشكلات لا تتصل بمشكلاتهم، ولا أثر لها في إلا استقدام نزاعات وعصبيات وانقسامات قد دفنت أسبابها، وتناثر غبار معاركها، فما الفائدة من تجميعه واستحضاره، إلا إحياء تلك الجروح!

غاية ما يقال بعد أن كُسر تمثال المعرِّي وحصل ما حصل: إنَّ ما تحتاجه بلادنا العربية الناهضة هو احترام أفكار من سبقهم، وإنزالها منزلتها اللائقة بتجنُّب تقديسها وعزو العصمة لها، وأمَّا التقديس المادي فليس من سماتنا ولا يؤثر في حضارتنا، ولعل الحادثة تكون صحوة فكرٍ تحطم أوثاناً قائمةً في الفكر والوجدان أعمق بكثير من تلك التصاوير المجسمة، ومن الإنصاف القول إن الغرب تفوَّقوا في هذا بأن أخضعوا تاريخهم ورجالاتهم جميعاً للنقد والدرس العلمي، وتخلصوا من عبء القداسة المعنوية لأفكار أسلافهم، رغم انتشار تماثيلهم وصورهم عندهم، وأما الدائرة المثالية فهي التي ابتدأنا بها القول، وهي دائرة الاحترام والاستفادة التي تحمي حرية الفكر والتفكر، وتحفظ قدر ومنزلة أسلافنا دون تقديس مُخل أو تصغير مُسف.
حلب
Twitter: @anassarmini

المقال منشور في إيلاف:
http://www.elaph.com/Web/opinion/2013/2/792873.html?entry=opinion

2/10/2013

وقفات في البحث الموضوعي في السنة النبوية

وقفات في البحث الموضوعي في السنة النبوية:

محمد أنس سرميني


إنَّ انتقال البشرية من عصر انتشار المعرفة وتداولها وذيوعها، إلى عصر تصنيف المعلومات وتبويبها وتنظيمها، لا بدَّ أن يكون له أثر في العلوم الإسلامية، وعلوم السنة النبوية بوجه خاص، فلقد درجت البحوث سابقاً على دراسة الحديث الشريف من زاوية تحليلية تتناول الحديث الشريف الفرد بالبحث المعمّق على أنه وحدة مستقلة، فتجمع طرقه وشواهده ومتابعاته، وتكون النتيجة الحكم عليه بالصِّحة أو الضعف، والعمل أو الترك. فظهَرت حديثاً الدراسات الموضوعية في الحديث الشريف، والتي تتناول موضوعاً معيناً من السنة النبوية بالجمع والتأصيل. وقد ينازع في اعتبار الحديث الموضوعي فناً حديثاً من فنون التصنيف، من يرى جذوراً وأصولاً تاريخيةً له في كتب المتقدمين كالجوامع والمصنفات والسنن، وفي كتب الأجزاء الحديثية كالأدب المفرد، والقراءة خلف الإمام للبخاري، وهي الكتب التي صنّفت الأحاديث على المواضيع والأبواب، إلا أن هذا العمل بحسب مصطلحات ومعايير البحث الموضوعي قد خطا الخطوة الأولى منه فحسب، فماذا عن باقي مراحله، وما المقصود بالدراسة الموضوعية للسنة النبوية؟

الدراسة الموضوعية تعني جمع الأحاديث المتعلِّقة بموضوع محدَّد من مصادرها المتعدِّدة، ثم تحليلها ونقدها سنداً ومتناً وموازنة دلالتها والبحث في تعارضها، ثم بذل الجهد في استنتاج النظرية العامة التي تنتظم تفاصيلها، لتكون صالحةً للتطبيق والعرض، على أنها من أصول المنهج النبوي.

وهذا يعني أنَّ الدِّراسة الموضوعية للسنة تتألف من أربع محطات:
أولاها: اختيار الموضوع، ولا تُقبل فيها إلا مواضيع متصلة بواقع الحياة واحتياجات الناس، وتأتي المجالات التربوية الاجتماعية والاقتصادية المعاشية والسياسية في مقدمتها، ولا يقبل فيها المواضيع التقليدية ولا المواضيع العامة والشاملة كالبحث في السيرة النبوية مطلقاً، والسَّبب وراء ذلك أنَّ البحث الموضوعي ينطلق من إشكالية واقعية محددة ضمن اهتمامات العصر ومواضيعه الساخنة، فيدرس فيها الباحث جميع ما أثير عنها، ويستوعب كل ما قيل فيها، ثم يعرض ما تحصَّل لديه من أفكار على الأحاديث النبوية، وعليه فإن من سيكتب في حق الطفل في التعلم في السُّنة أو الدستور النبوي أو المواطنة في العهد النبوي، سيقرأ جميع الوثائق والتشريعات التي سَنتها الأنظمة الوضعية، ويطلع على النظريات والأفكار التي عالجتها، ويتمكّن من تفاصيلها وجوانبها المضيئة والمظلمة، لتكون هذه الدراسة معيناً مهماً عند عقد الموازنات، ثم يتوجه إلى الأحاديث النبوية مفتشاً جامعاً لكل ما يتصل بموضوعه وفكرته، وهي المرحلة الثانية.

ثانيها: جمع المادة الحديثية من خلال استقراء تام لمصادر السُّنة المعتمدة، والتوسُّع في ذلك مع التأني والصبر، والاعتماد على المطبوع والمخطوط، والاستفادة من البرمجيات الإلكترونية ومواقع الشابكة ومن سائر أدوات البحث العلمي الحديثة، ويلاحظ هنا أنه كُلَّما كان الموضوع دقيقاً محدّداً فسيسهل التوسع فيه عمودياً في مصادر السنة المتنوعة. فالبحث في "حق المرأة في التصويت في السنة والسيرة" أفضل من البحث في حقوق المرأة عموماً "في الصحيحين فحسب"، فنتائج البحث الأول ستكون أكثر عمقاً وتحديداً. وفي هذه المرحلة تبرز قدرات الباحثين في تتبع واستقراء الأحاديث المتعلِّقة بالموضوع، مهما خَفِيت أو دَقَّت درجة اتصالها والصبر على ذلك.

ثالثها: الدراسة التحليلية للأحاديث التي تجمعت لدى الباحث، والبحث في أسانيدها ورجالها من جهة، وفي متونها وألفاظها من جهة ثانية، من حيث الثُّبوتُ والدّلالةُ، ويمحّص الباحث النظر في الأحكام النقدية التي أطلقها رجال الجرح والتعديل والعلل على الأحاديث، ولا بأس أن يطيل الباحث هنا النَّفَس في قضايا الصحة والضعف والمتابعات، والرفع والوقف، وزيادات الثقات والشذوذ والإدراج، وإزالة الإشكال والتعارض الظاهري في دلالاتها، كل هذا ضمن حدود ما يخدم غاية بحثه وهو متون ودلالات الأحاديث، بمعنى أن يلجأ الباحث إلى أدوات المحدثين وما تقتضيه أصول الصناعة الحديثية، بحيث يرجِّح من الأسانيد والألفاظ والدلالات بحسب تلك الأدوات، فيكون واضحاً أمامه "القدر المشترك والمتفق" من الروايات والألفاظ التي رجّحها الباحث، بعد أن دفع التعارض والإشكال، وربط الأحكام بعللها، فتكون النتيجةُ حفظَ الوحدة الموضوعية للحديث النبوي.

رابعها: بناءُ النظرية الشاملة التي ينتظم عقدها جميع المعاني السالفة، واستنتاجُ الموقف النبوي العام الذي تقع تحته جميعُ التَّفاصيل، وفهم الرابط الذي يجمع المفردات التي استقراها الباحث واعتمد عليها في المرحلة الثانية والثالثة، فهي المرحلة الختامية والأهم في العمل الموضوعي، والتي سيربِطُ فيها الباحثُ نتائجَ بحثه الحديثي الموضوعي، بمنطلقه الأول من النظريات الحديثة والإشكاليَّات التي ابتدأ بحثه منها، وسيعرض نتائجه التي خلص إليها، ويوضِّح الإجابة الموضوعية المستمدة من الهدي النبوي عن تلك الإشكاليّات، ويعقد الموازنات فيما بينها، مستفيداً من آراء من سبقه من الفقهاء والمحدثين والشُّراح، فتكتمِلُ بذلك عناصرُ البحث، وتصل الرحلة إلى محطتها النهائية.

ولعلَّ هذه المرحلة هي أمتع المراحل، لأنها مرحلة جني الثمار وحصاد الجهود، فيها يتنقل الباحث من النظر إلى التطبيق، ومن القواعد إلى النتائج، لذا فإن الحذر الشديد والتأني في إطلاق الأحكام مطلوب في هذه المرحلة، بأكثر مما هو مطلوب في سائر المراحل، لأن الخطأ في القواعد والأصول أخطر من الخطأ في التفاصيل والجزئيات، يجب عليه التعمق في مطالعة أدلتهم ومسالك أقوالهم، والعودة إلى أهل العلم واستشارتهم، وقبلها الاتكال على الله والنية السليمة في خدمة الحق والدين وأهله، فكم ترك الأول للآخر!.

كذلك فإن من محاذير العمل الموضوعي، أن ينغمس الباحث في الدرس النبوي، بما قد يفقده السياحة في باقي مصادر التشريع الأصلية والتبعية، ويفقده بوصلة البحث العلمي المتزن، فيؤثر سلباً في نتائج بحثه، ويحمله على التّسرع في قبول ورد أقوال من سلفه، فهذا مما يجب أن يتنبه عليه الباحث في مرحلة اختيار الموضوع، بأن يختار من المواضيع ما يتعلَّق بمواقف النّبي -صلى الله عليه وسلم- التشريعية والبيانية ويتصل بالسنة والسيرة النبوية والسيرة اتصالاً عميقاً، فتتحقق بذلك الفائدة المرجوّة من البحث الموضوعي في السُّنة النبوية. أخيراً لا بأس أن يصوغ الباحث بحثه بأسلوب يجمع بين طرفين، أسلوب يفهمُه المثقفون من غير المختصين من جهة، ويثير التَّفكر والتأمل لدى المختصين من جهة ثانية، وبذلك يحوز الحُسنيات كلها.


رابط الموضوع: http://www.alukah.net/Sharia/0/50331/#ixzz2KUPv7NXG